أبي حيان التوحيدي
152
المقابسات
وعليه ، كدائرة في العقل ، فمتى فرض فيها قول وجعل مبدأ لأقوال انتهى منه إلى آخر ما يمكن أن يقال ، فليس من قول الا وقد قيل أو يقال ، وليس من فعل إلا وقد فعل أو سيفعل ، وليس من شئ إلا وقد علم أو سيعلم ، وهكذا في الظن والرأي وغير ذلك ، وأمثال هذا بيّن في كل ما أردته ، وذلك أنك لا تشير إلى رأى أو نحلة إلا أمكنك ان تظن به كل ما ظن ويظن ، وتقول كما قيل ويقال ، وإنما يضيق مجمّ أحدنا ، وينفسح مشرب الآخر ، لأن الخاطر يسنح مرة ولا يسنح مرة ، والقلب يتسع تارة ولا يتسع تارة ، واللسان ينطق وقتا ويمسك وقتا قال أبو الخطاب : هل للخواطر والألفاظ والآراء والمقالات نسبة إلى المزاج والطينة والهواء ، وإلى العناصر بالجملة ؟ فقال : نعم ، لها نسبة قوية ، وعلاقة شديدة ، ورباط متين ، إلى هذه الأمور التي تنظر فيها ، أو تطيف بها ، أو تطل عليها ، ولا سبيل مع ذلك إلى اتفاق الناس في حال من الأحوال ، وسبيل من السبل ولو أمكن ذلك لوجد ! ألا ترى أنه لا سبيل إلى أن يكون الناس كلهم طوال القدود أو قصورها ، وضخام الرؤوس أو صغارها ، وفصحاء الألسنة أو لكنّها ، أو على مذهب واحد أوحد ، ومقابلة واحدة ؟ كيف يكون هذا أو يظن والطبيعة إنما تعطى صورتها لكل شئ بحسب قبوله وتهيئته ومواتاته ؟ فليس الزند من عطية الطبيعة ، ولكن على قدر قبوله ، وصلابة الحجر من عطية الطبيعة ولكن على قدره ، فاختلاف الصور إنما ينشأ من اختلاف المواد ، وهذا أصل لا أصل له ، وعلة لا علة لها ، لأنه لم يفعله فاعل على ذلك ، بل الصورة من شأنها هذا ، والمادة من شأنها ذلك ، والأمر مسبب على سنن ما ترى ، فعلى هذا كل أحد ينتحل ما شاكله مزاجه ، ونبض عليه عرقه ، ونزع إليه شوطه ، وعجن به طينه ، وجرى بعد ذلك على دأبه وديدنه ؟